النفط والذهب تحت ضغط مزدوج.. حرب الشرق الأوسط وبيانات التضخم تختبران الأسواق العالمية
تدخل الأسواق العالمية أسبوعًا حساسًا تتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط التضخمية وتوقعات أسعار الفائدة، بعدما دفعت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في أسابيع، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم الأمريكية التي قد تحدد مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 97.31 دولارًا للبرميل في تسوية 7 سبتمبر، بعدما سجل خلال الجلسة مستوى 98.06 دولارًا، وهو الأعلى منذ أواخر يوليو. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 92.65 دولارًا، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التوترات في المنطقة إلى مزيد من الاضطراب في إمدادات الطاقة وحركة الشحن.
أصبح النفط محور التحرك الرئيسي في الأسواق خلال الأيام الأخيرة، بعدما أدت التطورات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.
وبحسب بيانات السوق التي نقلتها رويترز، ارتفع برنت بنحو 8% خلال الأسبوع السابق، وأصبح السعر أعلى بنحو 35% مقارنة بمستواه في أواخر فبراير. كما وصلت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية، وهو ما يزيد حساسية الاقتصاد العالمي تجاه استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة.
ولا يرتبط تأثير النفط بسوق الطاقة وحده. فالارتفاع المستمر في أسعار الخام ينعكس على تكاليف النقل والشحن والصناعة والزراعة، وقد ينتقل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلكون.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية أمام البنوك المركزية: ارتفاع النفط الناتج عن أزمة جيوسياسية يمكن أن يعيد إشعال التضخم في وقت كانت فيه الأسواق تراهن على إمكانية تخفيف السياسة النقدية.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم عوامل القلق بالنسبة إلى سوق الطاقة، بسبب دوره في حركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.
وأدت التوترات العسكرية الأخيرة إلى تباطؤ حركة السفن عبر المضيق مقارنة بالمستويات المعتادة، بينما زادت المخاوف من احتمال تعرض منشآت الطاقة أو طرق الشحن لمزيد من الاضطرابات. وأشارت تقارير السوق إلى أن استمرار التصعيد قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير إذا اتسعت عمليات استهداف السفن أو البنية التحتية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تعمل بعض الدول المنتجة على تعزيز بدائل التصدير وتقليل اعتمادها على المسارات البحرية الأكثر تعرضًا للمخاطر، بينما أبقت أوبك+ مستويات إنتاج أكتوبر دون تغيير وفق أحدث التطورات التي نقلتها رويترز.
وهذا يعني أن السوق لا يسعر فقط حجم الطلب العالمي الحالي، وإنما يضع في حساباته أيضًا احتمال حدوث نقص إضافي في المعروض إذا طال أمد الأزمة.
على الرغم من أن الذهب يُنظر عادة إلى أنه ملاذ آمن في أوقات الأزمات، فإن حركته الأخيرة أظهرت تأثير عامل آخر أكثر أهمية، وهو توقعات أسعار الفائدة الأمريكية.
وتراجع الذهب الفوري بنسبة 0.4% في 7 سبتمبر إلى نحو 4,410.55 دولار للأوقية، بعدما أدت بيانات الوظائف الأمريكية القوية إلى زيادة توقعات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر في سبتمبر. وارتفعت احتمالات رفع الفائدة التي تسعرها الأسواق من نحو 50% إلى 60% بعد صدور بيانات الوظائف.
وهنا تظهر المفارقة: التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، لكن ارتفاع عوائد السندات وتزايد احتمالات رفع الفائدة يمكن أن يضغطا على المعدن الأصفر، لأن الذهب لا يدر عائدًا دوريًا مثل أدوات الدخل الثابت.
لذلك أصبح الذهب عالقًا بين عاملين متعارضين: المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الطلب عليه كملاذ آمن، والسياسة النقدية الأكثر تشددًا التي قد تقلل جاذبيته الاستثمارية.
تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية، التي ستصدر هذا الأسبوع.
ومن المقرر صدور مؤشر أسعار المنتجين لشهر أغسطس في 10 سبتمبر، يليه مؤشر أسعار المستهلكين في 11 سبتمبر، وفق الجدول الرسمي لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. فإذا أظهرت الأرقام استمرار الضغوط التضخمية أو تسارعها، فقد تتراجع توقعات خفض الفائدة أو ترتفع احتمالات استمرار السياسة النقدية المشددة.
أما إذا جاءت بيانات التضخم أقل من المتوقع، فقد تمنح الأسواق مساحة أكبر للاعتقاد بأن الضغوط الناتجة عن الطاقة لن تتحول إلى موجة تضخمية واسعة ومستدامة.
وبالتالي، لن تكون بيانات التضخم مجرد أرقام اقتصادية دورية، بل قد تصبح عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الدولار وعوائد السندات والذهب والأسهم خلال الأيام المقبلة.
يعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقبل يومي 15 و16 سبتمبر، مع صدور القرار والمؤتمر الصحفي في 16 سبتمبر.
وتأتي هذه الاجتماعات في وقت تتضارب فيه الإشارات الاقتصادية. فمن ناحية، أظهرت بيانات الوظائف الأمريكية لشهر أغسطس قوة أكبر مما توقعته الأسواق، مع بقاء معدل البطالة عند 4.1%، وهو ما عزز توقعات رفع الفائدة. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل صدمة من خارج الاقتصاد يمكن أن ترفع التضخم وتضغط على النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
وهذا يضع البنك المركزي أمام معادلة دقيقة: تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم قد يضغط على النمو والإنفاق، بينما تخفيفها بسرعة قد يكون أكثر صعوبة إذا بدأت أسعار الطاقة في دفع التضخم إلى الارتفاع.
لا تقتصر الضغوط على الولايات المتحدة، إذ تواجه منطقة اليورو أيضًا تأثير ارتفاع أسعار الطاقة.
وتتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر إلى 2.5%، في ظل عودة التضخم في منطقة اليورو إلى أكثر من 3% خلال أغسطس، مدفوعًا بصورة أساسية بارتفاع تكاليف الطاقة.
ويعني ذلك أن ارتفاع النفط والغاز قد يدفع البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه خفض الفائدة، حتى لو كانت مؤشرات النمو لا تمنحها مساحة كبيرة للتشديد.
ومن هنا يظهر خطر ما يعرف اقتصاديًا بصدمة العرض: ارتفاع تكلفة الطاقة يمكن أن يرفع الأسعار ويضعف النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
انعكست هذه المخاوف على أسواق الأسهم العالمية، التي تعرضت لضغوط مع ارتفاع أسعار النفط واقتراب موعد بيانات التضخم الأمريكية.
وأشارت رويترز إلى تراجع الأسهم العالمية في جلسة 7 سبتمبر، مع زيادة المخاوف من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، بينما أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي تطور يتعلق بالشرق الأوسط أو حركة الملاحة والطاقة.
وتختلف درجة التأثر من قطاع إلى آخر. فشركات الطاقة قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، بينما تتعرض شركات النقل والصناعة وبعض القطاعات الاستهلاكية لضغوط بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.
كما أن ارتفاع عوائد السندات يمكن أن يضغط على أسهم النمو، خصوصًا الشركات التي تعتمد تقييماتها بدرجة أكبر على توقعات الأرباح المستقبلية.
في منطقة الخليج، لا تسير العلاقة بين ارتفاع النفط والأسهم في اتجاه واحد.
فارتفاع أسعار الخام قد يدعم إيرادات الدول المنتجة وشركات الطاقة، لكنه في المقابل يرفع المخاطر الجيوسياسية ويزيد حساسية المستثمرين تجاه حركة الملاحة والمنشآت النفطية.
وفي جلسة 7 سبتمبر، تحركت أسواق الخليج بصورة متباينة؛ إذ تراجع المؤشر السعودي بنحو 0.4%، بينما ارتفع مؤشر دبي 0.8% واستقر مؤشر أبوظبي، في حين صعد مؤشر قطر 0.5%. وأظهرت التحركات أن المستثمرين يوازنون بين الفائدة المحتملة من ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الناتجة عن التصعيد الإقليمي.
وهذا التباين مهم؛ لأنه يشير إلى أن ارتفاع النفط وحده لا يكفي لتحديد اتجاه أسواق الأسهم الخليجية، بل تتداخل معه عوامل مثل تقييمات الشركات، والسيولة، والتعرض المباشر للمخاطر الجيوسياسية، وتوقعات النمو.
المشهد الحالي لا يقدم اتجاهًا واحدًا واضحًا للأصول، بل يضع الأسواق أمام مجموعة من السيناريوهات.
إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط وواصل النفط ارتفاعه، فقد تتزايد الضغوط التضخمية، الأمر الذي يمكن أن يدعم الدولار وعوائد السندات ويضغط على الذهب والأسهم الحساسة للفائدة.
أما إذا حدثت تهدئة في المنطقة وانخفضت علاوة المخاطر في أسعار النفط، فقد تتراجع الضغوط التضخمية، ما يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتعامل مع الاقتصاد بعيدًا عن صدمة الطاقة.
وفي السيناريو الثالث، قد يستقر النفط عند مستويات مرتفعة لفترة أطول دون أن يصل إلى قفزة حادة جديدة. وهذا السيناريو قد يكون الأصعب في التقييم، لأنه يسمح باستمرار التضخم المرتفع نسبيًا مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الفائدة.
ثلاثة عوامل ستكون الأكثر أهمية خلال الفترة القصيرة المقبلة:
أولًا، تطورات الصراع في الشرق الأوسط ومدى تأثيرها في حركة النفط والشحن عبر المنطقة.
ثانيًا، بيانات أسعار المنتجين والمستهلكين في الولايات المتحدة يومي 10 و11 سبتمبر.
ثالثًا، اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر وما إذا كانت البيانات الاقتصادية ستدفع صانعي السياسة إلى التشديد أو الإبقاء على موقفهم الحالي.
وإذا تزامن ارتفاع النفط مع بيانات تضخم أمريكية أقوى من المتوقع، فقد تواجه الأسواق فترة جديدة من التقلب، لأن المستثمرين سيضطرون إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن الفائدة والنمو في الوقت نفسه.
تدخل الأسواق العالمية مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أصبح النفط مرتبطًا بصورة مباشرة بالتطورات الجيوسياسية، بينما أصبح الذهب عالقًا بين طلب الملاذ الآمن وضغوط أسعار الفائدة.
ولا يكمن الخطر الرئيسي في وصول النفط إلى مستوى معين بحد ذاته، وإنما في استمرار ارتفاعه لفترة طويلة بما يكفي لانتقال أثره إلى التضخم وتكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على تأجيل تخفيف السياسة النقدية.
ولهذا ستكون بيانات التضخم الأمريكية القادمة وتطورات سوق الطاقة العاملين الأهم في تحديد اتجاه الأسواق خلال الأيام المقبلة. وفي ظل اجتماع الفيدرالي المرتقب منتصف سبتمبر، قد تكون الفترة القادمة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت الأسواق ستتجه نحو تهدئة نسبية أم موجة جديدة من التقلبات.
وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 97.31 دولارًا للبرميل في تسوية 7 سبتمبر، بعدما سجل خلال الجلسة مستوى 98.06 دولارًا، وهو الأعلى منذ أواخر يوليو. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 92.65 دولارًا، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التوترات في المنطقة إلى مزيد من الاضطراب في إمدادات الطاقة وحركة الشحن.
النفط يقترب من 100 دولار مجددًا
أصبح النفط محور التحرك الرئيسي في الأسواق خلال الأيام الأخيرة، بعدما أدت التطورات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.
وبحسب بيانات السوق التي نقلتها رويترز، ارتفع برنت بنحو 8% خلال الأسبوع السابق، وأصبح السعر أعلى بنحو 35% مقارنة بمستواه في أواخر فبراير. كما وصلت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية، وهو ما يزيد حساسية الاقتصاد العالمي تجاه استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة.
ولا يرتبط تأثير النفط بسوق الطاقة وحده. فالارتفاع المستمر في أسعار الخام ينعكس على تكاليف النقل والشحن والصناعة والزراعة، وقد ينتقل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلكون.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية أمام البنوك المركزية: ارتفاع النفط الناتج عن أزمة جيوسياسية يمكن أن يعيد إشعال التضخم في وقت كانت فيه الأسواق تراهن على إمكانية تخفيف السياسة النقدية.
مخاوف مضيق هرمز تزيد حساسية الأسواق
يمثل مضيق هرمز أحد أهم عوامل القلق بالنسبة إلى سوق الطاقة، بسبب دوره في حركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.
وأدت التوترات العسكرية الأخيرة إلى تباطؤ حركة السفن عبر المضيق مقارنة بالمستويات المعتادة، بينما زادت المخاوف من احتمال تعرض منشآت الطاقة أو طرق الشحن لمزيد من الاضطرابات. وأشارت تقارير السوق إلى أن استمرار التصعيد قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير إذا اتسعت عمليات استهداف السفن أو البنية التحتية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تعمل بعض الدول المنتجة على تعزيز بدائل التصدير وتقليل اعتمادها على المسارات البحرية الأكثر تعرضًا للمخاطر، بينما أبقت أوبك+ مستويات إنتاج أكتوبر دون تغيير وفق أحدث التطورات التي نقلتها رويترز.
وهذا يعني أن السوق لا يسعر فقط حجم الطلب العالمي الحالي، وإنما يضع في حساباته أيضًا احتمال حدوث نقص إضافي في المعروض إذا طال أمد الأزمة.
الذهب أمام معادلة مختلفة
على الرغم من أن الذهب يُنظر عادة إلى أنه ملاذ آمن في أوقات الأزمات، فإن حركته الأخيرة أظهرت تأثير عامل آخر أكثر أهمية، وهو توقعات أسعار الفائدة الأمريكية.
وتراجع الذهب الفوري بنسبة 0.4% في 7 سبتمبر إلى نحو 4,410.55 دولار للأوقية، بعدما أدت بيانات الوظائف الأمريكية القوية إلى زيادة توقعات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر في سبتمبر. وارتفعت احتمالات رفع الفائدة التي تسعرها الأسواق من نحو 50% إلى 60% بعد صدور بيانات الوظائف.
وهنا تظهر المفارقة: التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، لكن ارتفاع عوائد السندات وتزايد احتمالات رفع الفائدة يمكن أن يضغطا على المعدن الأصفر، لأن الذهب لا يدر عائدًا دوريًا مثل أدوات الدخل الثابت.
لذلك أصبح الذهب عالقًا بين عاملين متعارضين: المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الطلب عليه كملاذ آمن، والسياسة النقدية الأكثر تشددًا التي قد تقلل جاذبيته الاستثمارية.
التضخم الأمريكي يقترب من واجهة المشهد
تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية، التي ستصدر هذا الأسبوع.
ومن المقرر صدور مؤشر أسعار المنتجين لشهر أغسطس في 10 سبتمبر، يليه مؤشر أسعار المستهلكين في 11 سبتمبر، وفق الجدول الرسمي لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. فإذا أظهرت الأرقام استمرار الضغوط التضخمية أو تسارعها، فقد تتراجع توقعات خفض الفائدة أو ترتفع احتمالات استمرار السياسة النقدية المشددة.
أما إذا جاءت بيانات التضخم أقل من المتوقع، فقد تمنح الأسواق مساحة أكبر للاعتقاد بأن الضغوط الناتجة عن الطاقة لن تتحول إلى موجة تضخمية واسعة ومستدامة.
وبالتالي، لن تكون بيانات التضخم مجرد أرقام اقتصادية دورية، بل قد تصبح عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الدولار وعوائد السندات والذهب والأسهم خلال الأيام المقبلة.
الفيدرالي أمام معادلة صعبة
يعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقبل يومي 15 و16 سبتمبر، مع صدور القرار والمؤتمر الصحفي في 16 سبتمبر.
وتأتي هذه الاجتماعات في وقت تتضارب فيه الإشارات الاقتصادية. فمن ناحية، أظهرت بيانات الوظائف الأمريكية لشهر أغسطس قوة أكبر مما توقعته الأسواق، مع بقاء معدل البطالة عند 4.1%، وهو ما عزز توقعات رفع الفائدة. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل صدمة من خارج الاقتصاد يمكن أن ترفع التضخم وتضغط على النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
وهذا يضع البنك المركزي أمام معادلة دقيقة: تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم قد يضغط على النمو والإنفاق، بينما تخفيفها بسرعة قد يكون أكثر صعوبة إذا بدأت أسعار الطاقة في دفع التضخم إلى الارتفاع.
أوروبا تواجه المشكلة نفسها
لا تقتصر الضغوط على الولايات المتحدة، إذ تواجه منطقة اليورو أيضًا تأثير ارتفاع أسعار الطاقة.
وتتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر إلى 2.5%، في ظل عودة التضخم في منطقة اليورو إلى أكثر من 3% خلال أغسطس، مدفوعًا بصورة أساسية بارتفاع تكاليف الطاقة.
ويعني ذلك أن ارتفاع النفط والغاز قد يدفع البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه خفض الفائدة، حتى لو كانت مؤشرات النمو لا تمنحها مساحة كبيرة للتشديد.
ومن هنا يظهر خطر ما يعرف اقتصاديًا بصدمة العرض: ارتفاع تكلفة الطاقة يمكن أن يرفع الأسعار ويضعف النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
الأسهم العالمية تحت ضغط النفط والفائدة
انعكست هذه المخاوف على أسواق الأسهم العالمية، التي تعرضت لضغوط مع ارتفاع أسعار النفط واقتراب موعد بيانات التضخم الأمريكية.
وأشارت رويترز إلى تراجع الأسهم العالمية في جلسة 7 سبتمبر، مع زيادة المخاوف من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، بينما أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي تطور يتعلق بالشرق الأوسط أو حركة الملاحة والطاقة.
وتختلف درجة التأثر من قطاع إلى آخر. فشركات الطاقة قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، بينما تتعرض شركات النقل والصناعة وبعض القطاعات الاستهلاكية لضغوط بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.
كما أن ارتفاع عوائد السندات يمكن أن يضغط على أسهم النمو، خصوصًا الشركات التي تعتمد تقييماتها بدرجة أكبر على توقعات الأرباح المستقبلية.
أسواق الخليج بين دعم النفط ومخاطر التصعيد
في منطقة الخليج، لا تسير العلاقة بين ارتفاع النفط والأسهم في اتجاه واحد.
فارتفاع أسعار الخام قد يدعم إيرادات الدول المنتجة وشركات الطاقة، لكنه في المقابل يرفع المخاطر الجيوسياسية ويزيد حساسية المستثمرين تجاه حركة الملاحة والمنشآت النفطية.
وفي جلسة 7 سبتمبر، تحركت أسواق الخليج بصورة متباينة؛ إذ تراجع المؤشر السعودي بنحو 0.4%، بينما ارتفع مؤشر دبي 0.8% واستقر مؤشر أبوظبي، في حين صعد مؤشر قطر 0.5%. وأظهرت التحركات أن المستثمرين يوازنون بين الفائدة المحتملة من ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الناتجة عن التصعيد الإقليمي.
وهذا التباين مهم؛ لأنه يشير إلى أن ارتفاع النفط وحده لا يكفي لتحديد اتجاه أسواق الأسهم الخليجية، بل تتداخل معه عوامل مثل تقييمات الشركات، والسيولة، والتعرض المباشر للمخاطر الجيوسياسية، وتوقعات النمو.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
المشهد الحالي لا يقدم اتجاهًا واحدًا واضحًا للأصول، بل يضع الأسواق أمام مجموعة من السيناريوهات.
إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط وواصل النفط ارتفاعه، فقد تتزايد الضغوط التضخمية، الأمر الذي يمكن أن يدعم الدولار وعوائد السندات ويضغط على الذهب والأسهم الحساسة للفائدة.
أما إذا حدثت تهدئة في المنطقة وانخفضت علاوة المخاطر في أسعار النفط، فقد تتراجع الضغوط التضخمية، ما يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتعامل مع الاقتصاد بعيدًا عن صدمة الطاقة.
وفي السيناريو الثالث، قد يستقر النفط عند مستويات مرتفعة لفترة أطول دون أن يصل إلى قفزة حادة جديدة. وهذا السيناريو قد يكون الأصعب في التقييم، لأنه يسمح باستمرار التضخم المرتفع نسبيًا مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الفائدة.
ما الذي تراقبه الأسواق خلال الأيام المقبلة؟
ثلاثة عوامل ستكون الأكثر أهمية خلال الفترة القصيرة المقبلة:
أولًا، تطورات الصراع في الشرق الأوسط ومدى تأثيرها في حركة النفط والشحن عبر المنطقة.
ثانيًا، بيانات أسعار المنتجين والمستهلكين في الولايات المتحدة يومي 10 و11 سبتمبر.
ثالثًا، اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر وما إذا كانت البيانات الاقتصادية ستدفع صانعي السياسة إلى التشديد أو الإبقاء على موقفهم الحالي.
وإذا تزامن ارتفاع النفط مع بيانات تضخم أمريكية أقوى من المتوقع، فقد تواجه الأسواق فترة جديدة من التقلب، لأن المستثمرين سيضطرون إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن الفائدة والنمو في الوقت نفسه.
الخلاصة
تدخل الأسواق العالمية مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أصبح النفط مرتبطًا بصورة مباشرة بالتطورات الجيوسياسية، بينما أصبح الذهب عالقًا بين طلب الملاذ الآمن وضغوط أسعار الفائدة.
ولا يكمن الخطر الرئيسي في وصول النفط إلى مستوى معين بحد ذاته، وإنما في استمرار ارتفاعه لفترة طويلة بما يكفي لانتقال أثره إلى التضخم وتكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على تأجيل تخفيف السياسة النقدية.
ولهذا ستكون بيانات التضخم الأمريكية القادمة وتطورات سوق الطاقة العاملين الأهم في تحديد اتجاه الأسواق خلال الأيام المقبلة. وفي ظل اجتماع الفيدرالي المرتقب منتصف سبتمبر، قد تكون الفترة القادمة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت الأسواق ستتجه نحو تهدئة نسبية أم موجة جديدة من التقلبات.