اليمن بين الانقسام والحلول السياسية

صورة مقال اليمن بين الانقسام والحلول السياسية
أمل السلام ومخاطر الانقسامات.
يشهد اليمن في نهاية عام 2025 تحولات سياسية وعسكرية حاسمة بعد أكثر من عقد من النزاع المسلح والتدخلات الإقليمية.
في وقت تتجدد فيه الدعوات إلى حل سياسي شامل ووقف التصعيد، تتوسع الفجوات بين فصائل جنوبية وشرقية من جهة، وجماعة “أنصار الله” في الشمال من جهة أخرى، ما يضع البلاد أمام خطر انقسام أكبر في الدولة والهوية.
هذه المتغيرات تسلط الضوء على تعقيدات الصراع اليمني الذي يبدو أبعد ما يكون عن حل نهائي.
في ظل هذه الخلفية، تتداخل الجهود الدبلوماسية مع التحركات العسكرية، بينما تتزايد الضغوط على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والفصائل المختلفة لإعادة هيكلة المشهد السياسي وتحقيق نوع من الاستقرار الذي طال انتظاره.
توسع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي والانقسام العسكري أحد أبرز التطورات هو تقدم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) في جنوب اليمن، حيث أعلنت قواته السيطرة على محافظات حضرموت والمهرة والمناطق النفطية الحيوية جنوب البلاد، في تحول مهم في خريطة الصراع.
يأتي هذا التقدم بعد شن عملية عسكرية واسعة في بداية ديسمبر 2025، مما أعاد توجيه الأنظار إلى الانقسامات القائمة بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية المدعومة من السعودية.
هذه السيطرة الجديدة تجعل المجلس الانتقالي بالفعل قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في جنوب اليمن، ما يفتح باب التساؤل حول مستقبل الوحدة اليمنية منذ توحده في 1990.
هذا التوسع دفع التحالف السعودي إلى توجيه دعوات صريحة لـ انسحاب قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة واحترام التسوية السياسية، في حين يستمر المجلس في تثبيت مواقع نفوذه.
تدخلات إقليمية وتباينات في التحالف السعودي–الإماراتي.
في خضم التوترات داخل اليمن، يبدو التحالف السعودي–الإماراتي متأرجحًا بين دعم التسوية السياسية ومصالحه الاستراتيجية في الجنوب.
بينما تدعو السعودية إلى تقليل التصعيد والعودة للحوار، يواصل بعض الفاعلين الإماراتيين دعم المجلس الانتقالي، ما يزيد من تعقيد الموقف ويحمل في طياته توترات داخلية في صف التحالف نفسه.
هذا التباين يظهر في التصريحات المتبادلة بين الرياض وأبوظبي حول أفضل السبل لإدارة الملف اليمني النفطي والاستقرار السياسي، وهو مؤشر على انقسام أوسع في السياسة الإقليمية تجاه اليمن، ما يستلزم جهداً دبلوماسياً مضاعفاً لتوحيد الرؤى.
اتفاق تبادل الأسرى ورغبة في خفض التصعيد.
في منتصف هذا الأسبوع، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي (أنصار الله) عن اتفاق لتبادل الأسرى بين الطرفين، وهو ما استقبله اليمنيون بتفاؤل حذر وسط أجواء متوترة.
هذا الاتفاق يُعد علامة إيجابية في سياق الحرب الطويلة التي دمرت البنى الأساسية للبلاد، لكن خبراء ومراقبون يعتقدون أن نجاحه في تهدئة الصراع يعتمد على تنفيذ بنوده بشكل فعلي وتوسيع دائرة الحوار الوطني ليشمل كافة المكونات اليمنية.
أبعاد أخرى في شمال البلاد: الحوثيون والأمم المتحدة.
في حين تنشغل القوى الجنوبية بالتحركات العسكرية والسياسية، يستمر الوضع في الشمال تحت سيطرة الحوثيين بمشهد مختلف، إذ تشهد العلاقة مع المجتمع الدولي توتراً حول وقف إطلاق النار ومستقبل الحل السياسي.
وقد طرحت الأمم المتحدة عدة مبادرات للحفاظ على تهدئة نسبية، خصوصاً في المناطق الحيوية مثل الحديدة، التي تبقى محورًا أساسيًا في جهود تخفيف التوترات.
وتشير تقارير دولية إلى تباين كبير في الالتزام بوقف إطلاق النار، مع استمرار خروقات للوضع القائم مما يعكس هشاشة التوازن بين القوى المتصارعة.
الآثار الإنسانية والاقتصادية المتعمقة.
بعيداً عن الخطابات العسكرية والسياسية، يعاني اليمنيون من أزمة إنسانية واقتصادية تتفاقم مع مرور الوقت.
فالتدهور في الخدمات الأساسية وارتفاع أسعار السلع الأساسية والضعف العام في القدرة الشرائية يزيد من معاناة السكان المدنيين.
تشير بيانات البنك الدولي إلى تراجع النمو وتراجع أداء الاقتصاد الوطني، مع احتياجات كبيرة للتدخلات الدولية العاجلة.
هذه الظروف الاقتصادية الصعبة تزيد من ضعف المؤسسات الحكومية وتوسع الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، ما يجعل أي حلول سياسية مترسخة أكثر تعقيداً.
هل ينتهي النزاع؟.
التحولات الأخيرة في اليمن تشير إلى صراع متعدد الأبعاد: ليس مجرد نزاع بين الحكومة والحوثيين، بل يشمل أيضاً انقسامات في الصفوف الجنوبية والشرقية، وتباينات في دعم الفاعلين الإقليميين.
استمرار هذا المشهد دون توافق سياسي حقيقي قد يدفع اليمن إلى حقبة جديدة من الانقسام الفعلي، وربما إعلان حالات انفصال في الجنوب إذا لم تصل الأطراف إلى صيغة توافقية شاملة.
اليمن بين الفوضى والفرص.
رغم كل التعقيدات، يبقى هناك أمل في أن يكون الحوار السياسي الشامل وتنفيذ اتفاقيات تبادل الأسرى بداية لتهدئة أوسع، تتطلب دعمًا دوليًا وإقليميًا حقيقيًا، ويكون مدخلاً نحو وقف آخر للحرب يحقق السلام والرفاه للشعب اليمني بعد سنوات طويلة من النزاع.

قد يعجبك أيضًا: