المرونة النفسية: لماذا يتعافى البعض من الصدمات بينما ينهار آخرون؟ دراسة تكشف السر

صورة مقال المرونة النفسية: لماذا يتعافى البعض من الصدمات بينما ينهار آخرون؟ دراسة تكشف السر
لماذا يتعافى بعض الأشخاص من الصدمات والأزمات النفسية بسرعة، بينما يعاني آخرون لفترات طويلة؟
دراسة علمية حديثة تكشف كيف يؤثر نشاط الدماغ في بناء المرونة النفسية وتعزيز القدرة على التعافي من التوتر والضغوط.
في وقت تتزايد فيه التحديات النفسية وضغوط الحياة اليومية، يواصل العلماء البحث عن العوامل التي تساعد الإنسان على تجاوز الأزمات والعودة إلى التوازن النفسي.
وتكشف دراسة حديثة أن السر قد يكون مرتبطًا بطريقة عمل الدماغ بعد انتهاء الحدث الضاغط، وليس أثناء حدوثه.
ما هي المرونة النفسية؟
تُعرف المرونة النفسية (Psychological Resilience) بأنها قدرة الفرد على التكيف مع المواقف الصعبة والتعافي من التجارب المؤلمة أو المسببة للتوتر، مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرض لأزمة مالية، أو مواجهة تحديات حياتية قاسية.
ورغم أن مفهوم المرونة النفسية حظي باهتمام واسع في الأوساط العلمية، فإن فهم الآليات العصبية التي تقف خلفه ظل محدودًا لفترة طويلة.
ويؤكد الباحثون أن البشر يتميزون بقدرات معرفية معقدة، مثل التفكير الإيجابي والمثابرة والثقة بالنفس، وهي عوامل تجعل عملية التعافي أكثر تعقيدًا مقارنة بالكائنات الأخرى.
«دراسة حديثة تكشف مفاجأة غير متوقعة» في دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية PNAS، استخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتتبع النشاط العصبي لدى مجموعة من المشاركين أثناء تعرضهم لضغوط نفسية حادة، وذلك من خلال الجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط كهربية الدماغ (EEG).
وأظهرت النتائج أن مؤشرات المرونة النفسية لا تظهر مباشرة أثناء التعرض للضغط أو بعده فورًا، بل تبدأ في الظهور بعد مرور أكثر من ساعة على انتهاء الحدث الضاغط.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الدماغ يحتاج إلى فترة زمنية لإعادة تنظيم نشاطه الداخلي ومعالجة التجربة، وأن القدرة على التعافي ترتبط بشكل كبير بما يحدث خلال هذه المرحلة المتأخرة.
كيف يختلف الدماغ المرن عن غيره؟
كشفت الدراسة عن اختلافات واضحة في أنماط النشاط العصبي بين الأشخاص الأكثر مرونة والأقل قدرة على التعافي من الضغوط.
فالأفراد الأكثر مرونة أظهروا نشاطًا أعلى في ما يُعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي"، وهي شبكة دماغية مرتبطة بالتأمل الذاتي واسترجاع الذكريات والتفكير في المستقبل.
كما سجلوا نشاطًا أكبر في مناطق مرتبطة بمعالجة الخبرات وتفسيرها.
في المقابل، أظهر الأشخاص الأقل مرونة نشاطًا أقوى في "شبكة البروز"، وهي المسؤولة عن رصد التهديدات والمنبهات المهمة في البيئة المحيطة، ما يشير إلى استمرار حالة التأهب والتوتر حتى بعد انتهاء الموقف الضاغط.
ويرى الباحثون أن هذه الفروق قد تساعد في تفسير سبب قدرة بعض الأشخاص على تجاوز الأزمات بسرعة أكبر مقارنة بغيرهم.
«الذكاء الاصطناعي يساعد في فهم المرونة النفسية» اعتمد الباحثون أيضًا على تقنيات التعلم الآلي لتحليل كميات ضخمة من البيانات العصبية، بهدف تحديد العوامل الأكثر ارتباطًا بالمرونة النفسية.
وأظهرت النتائج أن أنماط الاتصال داخل شبكة البروز كانت من أهم المؤشرات القادرة على التنبؤ بمستوى المرونة لدى الأفراد، تليها أنشطة شبكة الوضع الافتراضي ومؤشرات عصبية أخرى مرتبطة بمعالجة التوتر.
ويؤكد هذا التطور أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في فهم آليات الدماغ والسلوك البشري، ويفتح الباب أمام تطوير أدوات أكثر دقة لدراسة الصحة النفسية مستقبلًا.
«آفاق جديدة لفهم التعافي من الصدمات» لا تقتصر أهمية هذه النتائج على الجانب البحثي فقط، بل تمتد إلى مجالات العلاج والدعم النفسي.
فإذا كان الدماغ يحتاج إلى فترة زمنية لإعادة تنظيم نشاطه بعد التعرض للضغوط، فإن ذلك قد يساعد مستقبلًا في تطوير أساليب علاجية جديدة تركز على مرحلة ما بعد الحدث الصادم، بدلًا من التركيز على لحظة الصدمة وحدها.
كما قد تسهم هذه النتائج في تحسين فهم اضطرابات مرتبطة بالتوتر المزمن، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والقلق المستمر، من خلال دراسة الآليات العصبية المرتبطة بعملية التعافي.
ماذا تعني هذه النتائج في حياتنا اليومية؟
تحمل هذه الدراسة رسالة مهمة مفادها أن عدم التعافي الفوري من الأزمات لا يعني بالضرورة ضعف الشخصية أو غياب القدرة على المواجهة.
فالدماغ يحتاج في كثير من الأحيان إلى وقت لمعالجة التجارب الصعبة وإعادة ترتيب استجاباته الداخلية.
لذلك فإن منح النفس فرصة للراحة والتأمل والتعافي قد يكون جزءًا أساسيًا من عملية استعادة التوازن النفسي.
ويرى مختصون أن ممارسة التأمل، وتنظيم الضغوط اليومية، والاهتمام بالصحة النفسية، وتعزيز الثقة بالنفس، كلها عوامل قد تساعد في تنمية المرونة النفسية وتحسين القدرة على مواجهة التحديات.
في عالم تتزايد فيه الضغوط والتحديات النفسية، تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم كيفية تعافي الإنسان من الأزمات.
فالقوة الحقيقية لا تكمن في تجنب السقوط، بل في القدرة على النهوض مجددًا بعده، وهو ما تؤكد الأبحاث الحديثة أنه مهارة يمكن تطويرها وتعزيزها مع مرور الوقت.

قد يعجبك أيضًا: