فنزويلا تحت الأنقاض: زلزالان مزدوجان يهزان البلاد والأعنف منذ قرن

صورة مقال فنزويلا تحت الأنقاض: زلزالان مزدوجان يهزان البلاد والأعنف منذ قرن
في أمسية الأربعاء 24 يونيو 2026، بينما كانت فنزويلا تحتفل بعطلة وطنية لإحياء ذكرى معركة كارابوبو التي مهدت الطريق لاستقلالها عن إسبانيا، تحولت لحظات الفرح إلى كابوس حين ضرب زلزالان متتاليان بقوة 7.2 و7.5 درجات البلاد بفارق 39 ثانية فقط. في لحظات، انهارت مبانٍ سكنية وأبراج ومنتجعات سياحية في العاصمة كاراكاس والمناطق الساحلية، لتتحول واحدة من أشد الكوارث الطبيعية فتكاً في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث إلى مأساة إنسانية بأبعاد لم تشهدها فنزويلا منذ أكثر من قرن.

"زلزال مزدوج" يضرب في عطلة وطنية


وقع الزلزال الأول بقوة 7.2 درجات عند الساعة 6:04 مساءً بالتوقيت المحلي (22:04 بتوقيت غرينتش)، وتلاه بعد 39 ثانية فقط زلزال ثانٍ بقوة 7.5 درجات على مقياس العزم (Mw). مركزهما في ولاية ياراكوي، على عمق 21.9 كيلومتراً، على بُعد 23 كيلومتراً جنوب شرق مدينة يوماري.
وُصف الحدث بأنه "زلزال مزدوج" حيث ضربت الهزتان بفارق زمني ضئيل، مما ضاعف قوتهما التدميرية. وقد وقعت الكارثة أثناء عطلة وطنية، وهو توقيت زاد من عدد الضحايا، إذ كان معظم السكان في منازلهم. وقد شعر بهما السكان في جميع أنحاء المنطقة، وامتد الشعور بهما حتى إلى غابات الأمازون في البرازيل.

حصيلة ثقيلة تتجاوز 920 قتيلاً


أعلن رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغيز، الجمعة 27 يونيو، ارتفاع حصيلة القتلى إلى 920 شخصاً، والمصابين إلى 4300. وكانت الحصيلة الأولية قد سجلت 32 قتيلاً فقط، ثم ارتفعت إلى 164، ثم 188، ثم 589، قبل أن تستقر مؤقتاً عند 920.
الأرقام الأكثر صدمة تتعلق بالمفقودين: أكثر من 50 ألف شخص في عداد المفقودين، بينما لا يزال 172 شخصاً محاصرين تحت الأنقاض. وحذرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية من أن حصيلة القتلى قد تتجاوز 10 آلاف إذا استمرت صعوبة الوصول إلى العالقين.
ومن بين الضحايا 18 أجنبياً على الأقل، بينهم تسعة مواطنين برتغاليين، وثلاثة إسبان، وبرازيليان، وصينيان، وتشيليان. كما أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية أنها فقدت أثر 99 إسبانياً في فنزويلا لم تحدّد مواقعهم بعد.

دمار هائل في لا غوايرا وكاراكاس


كانت ولاية لا غوايرا الساحلية، التي كانت وجهة سياحية نابضة بالحياة وبوابة رئيسية للعاصمة، الأكثر تضرراً. وصفها مسؤولون بأنها "مأساة حقيقية"، حيث انهار أكثر من 100 مبنى بالكامل، وتضرر أو دُمّر 250 مبنى آخر، وفقدت 2,927 أسرة منازلها.
كشفت لقطات جوية مشهداً كارثياً لمدينة كانت تزخر بالأبراج والمنتجعات. في العاصمة كاراكاس، انهارت مبانٍ في عدة أحياء، وتصدع مدرج مطار كاراكاس الدولي الذي أُغلق بسبب الأضرار الجسيمة. كما شهدت خدمات الإنترنت تراجعاً حاداً في مختلف أنحاء فنزويلا، بما في ذلك العاصمة، بعدما تسببت الزلازل في أضرار بالبنية التحتية للطاقة والاتصالات.
أما البنية التحتية النفطية، فبدت سليمة إلى حد كبير، إذ إن معظم المدن التي أبلغت عن أضرار جسيمة لا تضم منشآت نفطية حيوية. وفي مدينة ماراكايبو، القريبة من أحد أهم مراكز صناعة النفط في البلاد، لم تُسجل أي إصابات.

سباق دولي للإنقاذ في ظروف قاسية


تكثف فرق الإنقاذ المحلية والدولية عملياتها في المناطق الأكثر تضرراً. أعلنت الأمم المتحدة نشر فرق إنقاذ من 17 دولة، فيما تحدثت تقارير عن نحو 2000 منقذ دولي و111 كلباً للبحث والإنقاذ.
أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية أن فرقة عسكرية أولى بقيادة جنرال من مشاة البحرية الأمريكية وصلت إلى كاراكاس لتنسيق المساعدات. كما سارعت واشنطن إلى إعلان حزمة واسعة من المساعدات، شملت إرسال فرق بحث وإنقاذ من مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا ومدينة لوس أنجلوس. وأرسلت المكسيك وإسبانيا وقطر فرقاً متخصصة.
لكن الظروف صعبة للغاية. يعمل رجال الإنقاذ في ظروف قاسية، أحياناً بأدوات بدائية، بينما يحفر السكان والمنقذون بأيديهم لانتشال العالقين. وصف مسؤول أممي الوضع بأنه "معقد جداً"، وأكد أن فرق الإنقاذ مدفوعة "دقيقة بدقيقة وساعة بساعة". ولم يُرصد سوى عدد قليل من فرق البحث الحكومية خارج العاصمة، بينما يهيم الفنزويليون على وجوههم في المناطق التي تعاني نقصاً في فرق الإغاثة.

قصص نجاة وسط الأنقاض


في بلدية تشاكاو بالعاصمة، نجحت فرق الطوارئ في إنقاذ 23 شخصاً من تحت الأنقاض، بينما كانت تعمل على الوصول إلى أربعة آخرين، بينهم شابة تبلغ من العمر 19 عاماً ظلت على اتصال بالمسعفين وهي عالقة بين ألواح خرسانية. وعرض التلفزيون الرسمي الفنزويلي لقطات مؤثرة لعمليات الإنقاذ، من بينها امرأة كانت محاصرة تحت لوح خرساني ولم يظهر منها سوى قدمها الحافية، قبل أن تنجح الطواقم في إخراجها حية.

هزات ارتدادية تعيد الذعر


في وقت لم تُطوَ فيه صفحات الكارثة الأولى، ضرب زلزال ثالث بقوة 4.9 درجات الساحل الشمالي لفنزويلا مساء الجمعة 27 يونيو، أعاد حالة الذعر إلى الشوارع وأكد أن البلاد لا تزال تحت وطأة نشاط زلزالي مستمر. كما سُجلت هزة ارتدادية بقوة 4.7 درجات، بالإضافة إلى 138 هزة سابقة.

خسائر اقتصادية فادحة


وفقاً لتقييم رقمي سريع (RAPIDA) أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تُقدر الأضرار المادية المباشرة بنحو 6.7 مليارات دولار (بين 4.7 مليارات و8.7 مليارات دولار)، أي ما يعادل حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا. وتشمل هذه الخسائر تقديرات أولية للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية وسبل العيش.

أسئلة شائعة حول زلزال فنزويلا

س: لماذا وُصف زلزال فنزويلا بـ"الزلزال المزدوج"؟ وما الفرق بينه وبين الزلزال العادي؟ ج: وُصف بالـ"مزدوج" لأنهما زلزالان قويان (بقوة 7.2 و7.5 درجات) وقعا بفارق زمني قصير جداً (39 ثانية) على نفس الصدع. الفرق أن الزلزال العادي يتبعه هزات ارتدادية أضعف، أما هنا فقد كان الحدث الثاني بنفس قوة الأول، مما ضاعف طاقة التدمير ومنع السكان من الشعور بالأمان أو إخلاء المباني بين الهزتين. س: هل توقعت هيئات المسح الجيولوجي حدوث هذا الزلزال مسبقاً؟

ج: لا، الزلازل لا يمكن التنبؤ بها بدقة حتى الآن علمياً. لكن منطقة شمال فنزويلا تقع على حدود الصفائح التكتونية (الصفيحة الكاريبية والأمريكية الجنوبية)، وهي منطقة معروفة بنشاطها الزلزالي. الهيئات كانت قد حذرت سابقاً من احتمال حدوث زلازل كبيرة في أي وقت، لكن لا يمكن تحديد التوقيت الدقيق. س: ما هو وضع مطار كاراكاس الدولي والرحلات الجوية بعد الزلزال؟ ج: تعرض مدرج المطار لتصدعات وأضرار جسيمة، مما أدى إلى إغلاقه مؤقتاً أمام حركة الطيران. وتعمل السلطات حالياً على تقييم الأضرار وإجراء إصلاحات طارئة، بينما يتم تحويل الرحلات الجوية إلى مطارات بديلة في مناطق أقل تضرراً. س: ما هي الإجراءات التي يجب على السكان اتباعها لحماية أنفسهم أثناء الزلزال؟ ج: توصي هيئات الدفاع المدني بالاختباء تحت طاولة أو مكتب متين، والابتعاد عن النوافذ والأجسام الثقيلة، والبقاء بعيداً عن المباني غير المستقرة. بعد انتهاء الهزة، يجب الخروج بحذر إلى أماكن مفتوحة وتجنب استخدام المصاعد، والاستعداد للهزات الارتدادية التي قد تكون قوية. س: هل توقفت عمليات البحث والإنقاذ أم ما زالت مستمرة؟ ج: ما زالت مستمرة وبشكل مكثف، خاصة في المناطق الساحلية مثل "لا غوايرا" التي تضررت بشدة. لكن الظروف صعبة جداً بسبب انهيار الطرق ونقص المعدات الثقيلة في بعض المناطق، إضافة إلى استمرار الهزات الارتدادية التي تعيق عمل الفرق وتعرضهم للخطر. س: ما هو حجم الأضرار الاقتصادية المتوقعة نتيجة هذه الكارثة؟ ج: وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة الأولية، تجاوزت الخسائر المادية المباشرة 6.7 مليارات دولار، وهذا الرقم مرشح للارتفاع مع استمرار عمليات الحصر. تشمل هذه الخسائر تدمير المنازل، والمنشآت الحكومية، والطرق، والبنية التحتية للاتصالات والكهرباء، إضافة إلى تأثيرها على القطاع السياحي في المناطق الساحلية.
في لحظات معدودة، حول زلزالان مزدوجان حياة الملايين في فنزويلا إلى مأساة إنسانية غير مسبوقة. وبينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين تحت الأنقاض، تبقى البلاد في حالة ترقب، مع استمرار الهزات الارتدادية التي تذكر بأن الكارثة لم تنتهِ بعد. الساعات والأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد حجم هذه المأساة التي قد تكون الأكبر في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث.

قد يعجبك أيضًا: