زمزم… حين تتحول المخيمات إلى مسارح للموت الصامت

صورة مقال زمزم… حين تتحول المخيمات إلى مسارح للموت الصامت
في الأخبار التي تعبر الشاشات سريعًا، ثمة وقائع لا ينبغي أن تُقرأ على عجل.
وثمة أماكن، مثل مخيم زمزم، لا تختصرها الأرقام وحدها، بل تختزن وجعًا يتجاوز اللغة.
تتوالى التقارير الأممية لتضع مخيم زمزم في دارفور تحت ضوء قاسٍ، كاشفةً عن سلسلة انتهاكات وصفتها الأمم المتحدة بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب.
ليست هذه المرة الأولى التي يُذكر فيها اسم دارفور مقرونًا بالموت، لكنها من المرات القليلة التي تتجسد فيها الفاجعة بهذه الكثافة، وبهذا الوضوح التوثيقي الذي لا يترك مجالًا للالتباس.
فوفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قُتل أكثر من ألف مدني عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المخيم في أبريل، ثلثهم تقريبًا أُعدموا خارج نطاق القانون، في مشاهد تعيد إلى الذاكرة أكثر فصول الصراع السوداني دموية.
وفي مقابل هذه الاتهامات الثقيلة، أقرّ مستشار لقوات الدعم السريع بوقوع تجاوزات في مدينة الفاشر ومحيطها، لكنه سارع إلى نفي أن تكون تلك الأفعال جزءًا من نهج القيادة أو تعليماتها.
وبين الإقرار والإنكار، حاول المستشار رسم خط فاصل بين “العناصر المنفلتة” والمؤسسة العسكرية، مؤكدًا إخضاع المتورطين للتحقيق، والاستعداد لمحاسبة أي عنصر تثبت مسؤوليته.
غير أن هذا الخط الفاصل يبدو هشًا أمام حجم الانتهاكات الموثقة، من تعذيب وخطف وعنف جنسي واغتصاب واسع النطاق، إلى إعدامات جماعية أثناء محاولات الفرار.
التقرير الأممي لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد بناء المشهد من شهادات 155 ناجيًا فروا إلى تشاد، بعضهم روى كيف أُطلقت النيران عبر نوافذ غرف ضيقة على مدنيين كانوا يختبئون طلبًا للحياة.
كما يشير إلى حصار غير معلن سبق الهجوم، حيث مُنعت الإمدادات الغذائية والإنسانية عن المخيم لأشهر، في سياسة تجويع بطيئة لم تقل فتكًا عن الرصاص.
وفي سياق سياسي موازٍ، اعتبر قياديون في الدعم السريع أن العقوبات الدولية المفروضة على قادتهم ذات طابع سياسي، رافضين ما وصفوه بتوظيف الملف السوداني لخدمة أجندات خارجية.
لكن هذه الرواية تصطدم بواقع إنساني أشد صلابة: مخيم كان يضم نحو نصف مليون نازح، تحول خلال أيام إلى بؤرة موت ونزوح جديد، فيما فرّ مئات الآلاف نحو مدينة طويلة، بلا مأوى ولا ضمانات نجاة.
في زمزم، لم تكن الجريمة حدثًا عابرًا، بل نتيجة مسار طويل من الإفلات والخذلان، حيث يُترك المدنيون وحدهم في مواجهة حرب لا تعترف بضعفهم.

قد يعجبك أيضًا: