سوريا تبدأ خطوة جديدة لإنهاء ملف الأسلحة الكيميائية الموروث من عهد الأسد

صورة توضيحية لخريطة سوريا مع الإشارة إلى العاصمة دمشق، إلى جانب علم سوريا ومبنى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية OPCW، في مشهد يعكس بدء عملية تدمير بقايا الأسلحة الكيميائية الموروثة من عهد النظام السابق. (تم توليدها بالذكاء الإصطناعي)
دخل ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا مرحلة جديدة، مع بدء السلطات السورية تدمير بقايا مرتبطة بالبرنامج الكيميائي الذي ورثته عن عهد الرئيس السابق بشار الأسد، في خطوة تحظى بمتابعة دولية وتتم بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من عمليات البحث والتحقق التي أجرتها المنظمة داخل سوريا، والتي كشفت عن مواد ومعدات وذخائر لم تكن مدرجة بصورة كاملة ضمن الإعلانات السورية السابقة. وتُعد عملية التخلص من هذه البقايا جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى إغلاق أحد أكثر الملفات تعقيدًا التي خلفتها الحرب السورية.

تعاون سوري مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية


منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكدت أن تعاونها مع السلطات السورية الجديدة أصبح أكثر انتظامًا منذ سقوط حكومة الأسد في ديسمبر 2024، مع استئناف العمل داخل البلاد للتحقق من حجم البرنامج الكيميائي السابق وتحديد ما تبقى منه.


وكانت المنظمة قد أعادت تأسيس وجود مستمر لها في سوريا منذ نوفمبر 2025، بهدف دعم عمليات حصر المواد والمنشآت ذات الصلة، إلى جانب التحقق من عمليات التدمير. وفي يوليو 2026، اتخذ المجلس التنفيذي للمنظمة قرارًا بإعادة حقوق وامتيازات سوريا في إطار اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بعد رصد تقدم في التعاون مع السلطات الجديدة.

اكتشافات جديدة أعادت فتح الملف


لم يكن التعامل مع الملف الكيميائي مجرد استكمال للإجراءات التي بدأت قبل سنوات، إذ كشفت بعثة فنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مايو الماضي عن كمية كبيرة من المواد والذخائر والمعدات والوثائق التي لم تكن معلنة سابقًا.
وأوضحت المنظمة أن فريقها الفني عثر، خلال عمليات ميدانية في عدد من المواقع، على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة، من بينها أنواع من القنابل الجوية المرتبطة بحوادث استخدام أسلحة كيميائية سبق أن وثقتها المنظمة خلال الحرب السورية.
ودفعت هذه الاكتشافات المنظمة والسلطات السورية إلى تكثيف العمل على إعداد جرد أكثر شمولًا ودقة لبقايا البرنامج الكيميائي، بدل الاكتفاء بالبيانات التي قدمتها الحكومات السورية السابقة.

لماذا يمثل التدمير خطوة مهمة؟


تكمن أهمية التطور الحالي في أن الملف السوري لم يكن يتعلق فقط بوجود مواد كيميائية، بل أيضًا بمدى اكتمال المعلومات التي قدمتها سوريا بشأن برنامجها السابق.
وكانت سوريا قد انضمت إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، وأُزيلت ودُمّرت خارج أراضيها المواد الكيميائية التي أعلنت عنها آنذاك تحت إشراف دولي. لكن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية واصلت الإشارة إلى وجود مسائل عالقة تتعلق بمدى اكتمال الإعلان السوري.


ومع تغير السلطة في دمشق، أصبح أمام المجتمع الدولي مجال أكبر لاستكمال عمليات التفتيش والتحقق والوصول إلى مواقع ووثائق ومواد مرتبطة بالبرنامج السابق. ولهذا فإن عملية التدمير الحالية لا تعني وحدها انتهاء الملف، وإنما تمثل جزءًا من مسار أطول للوصول إلى إزالة كاملة وقابلة للتحقق من البقايا.

مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق والمنظمة الدولية


يحمل التعاون الحالي أيضًا دلالة سياسية بالنسبة إلى الحكومة السورية الجديدة، التي تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع المؤسسات الدولية وإظهار التزامها بالاتفاقيات التي ترتبط بها سوريا.
وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن السلطات السورية الجديدة اتخذت خطوات عملية للتعاون معها، شملت تسهيل عمليات التحقق وتعديل الإعلان السوري السابق والاستعداد لعمليات التدمير.
وفي يوليو الماضي، اعتبرت المنظمة أن التطورات التي حدثت منذ سقوط الحكومة السابقة سمحت بإعادة حقوق سوريا وامتيازاتها داخل المنظمة، مع استمرار التزام دمشق باستكمال الإجراءات المتعلقة بالبرنامج الكيميائي.

ماذا ينتظر الملف السوري خلال المرحلة المقبلة؟


رغم بدء عمليات التدمير، لا يزال أمام سوريا والمنظمة الدولية عمل كبير قبل اعتبار ملف الأسلحة الكيميائية مغلقًا بصورة نهائية.
وتشمل المرحلة المقبلة استكمال حصر المواد والمنشآت المرتبطة بالبرنامج السابق، والتحقق من المعلومات المقدمة من السلطات السورية، ومواصلة عمليات التفتيش، ثم التأكد من أن المواد التي يتم تحديدها جرى تدميرها وفق الإجراءات المعتمدة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وتشير المنظمة إلى أن لديها عدة فرق وآليات تعمل على جوانب مختلفة من الملف السوري، تشمل تقييم الإعلانات والتحقق من المنشآت والتحقيق في حالات استخدام المواد الكيميائية كأسلحة وتحديد المسؤولية عنها.

أهمية التطور بالنسبة إلى سوريا والمنطقة


سياسيًا، يمكن أن يمثل التقدم في هذا الملف عنصرًا إضافيًا في جهود الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، خصوصًا أن قضية الأسلحة الكيميائية ارتبطت لسنوات بالنزاع السوري وبالتحقيقات الدولية.


أما على المستوى الإقليمي، فإن التخلص من بقايا برنامج كيميائي سابق يقلل من مخاطر انتشار هذه المواد أو وقوعها في أيدي جهات غير حكومية، وهو هدف يتجاوز حدود سوريا ويرتبط مباشرة بمنظومة الأمن الدولي ومنع انتشار الأسلحة الكيميائية.
ومن المهم في الوقت نفسه عدم اعتبار التطور الحالي نهاية فورية للملف؛ فعملية الإزالة والتحقق تحتاج إلى وقت، كما أن المنظمة الدولية ما زالت تتعامل مع أسئلة تتعلق بحجم البرنامج السابق ومدى اكتمال المعلومات التي قدمت عنه.
وبالتالي، فإن بدء عمليات التدمير يمثل خطوة مهمة، لكن إغلاق الملف بالكامل سيعتمد على استمرار التعاون السوري ونجاح عمليات التحقق الدولية من إزالة جميع البقايا المرتبطة بالبرنامج الكيميائي السابق.

قد يعجبك أيضًا: