لبنان أمام اختبار صعب.. تصعيد الجنوب يهدد مسار التهدئة ونزع سلاح حزب الله
دخلت الساحة اللبنانية مرحلة جديدة من التوتر، بعد أن أسفرت غارات إسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان عن مقتل 11 شخصًا، بينهم أطفال، في واحدة من أعنف جولات التصعيد منذ بدء التهدئة بين إسرائيل وحزب الله في يونيو الماضي. وتزامنت الضربات مع استمرار الخلاف حول مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان وآلية نزع سلاح حزب الله، ما يضع المسار السياسي الذي ترعاه الولايات المتحدة أمام اختبار بالغ الحساسية.
ويأتي التصعيد في وقت كانت فيه بيروت وتل أبيب تحاولان دفع إطار تفاوضي جديد إلى الأمام، يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل خطوات مرتبطة ببسط سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح الجماعات المسلحة. لكن الخلافات بشأن ترتيب هذه الخطوات وشروط تنفيذها تهدد بإبقاء الملف مفتوحًا أمام احتمالات التصعيد، خصوصًا مع إعلان حزب الله استعداده للرد على الضربات الإسرائيلية.
أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارات الإسرائيلية التي وقعت السبت أسفرت عن مقتل 11 شخصًا وإصابة آخرين، في هجمات استهدفت مناطق في جنوب البلاد، من بينها أنصار ودير الزهراني. ووصفت مصادر إعلامية هذه الضربات بأنها الأكثر دموية منذ دخول التهدئة الأخيرة حيز التنفيذ.
وقالت إسرائيل إن عملياتها استهدفت بنية تحتية تابعة لحزب الله، وإنها جاءت ردًا على تحرك للحزب أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين. كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائدًا ميدانيًا في حزب الله خلال الضربات، بينما أكدت السلطات اللبنانية سقوط مدنيين، بينهم أطفال، في الهجمات.
وتعكس هذه التطورات هشاشة التهدئة القائمة؛ إذ لم يؤد خفض مستوى المواجهات إلى إنهاء الخلافات الأمنية والسياسية بين الطرفين، بينما بقيت أجزاء من جنوب لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية، واستمرت المفاوضات حول آليات الانسحاب ونزع السلاح.
لم تتوقف تداعيات الغارات عند الجانب العسكري، إذ دخل حزب الله على خط التصعيد سياسيًا أيضًا، معلنًا أن الهجمات الإسرائيلية ستواجه بما وصفه بـ"الرد المناسب"، في وقت دعا فيه إلى وقف المفاوضات الجارية مع إسرائيل.
ويزيد هذا الموقف من صعوبة مهمة الحكومة اللبنانية، التي تسعى إلى الحفاظ على مسار التفاوض من جهة، ومنع تحول الجنوب إلى جبهة مفتوحة من جهة أخرى. فإقدام حزب الله على رد عسكري واسع قد يمنح إسرائيل مبررًا لتوسيع عملياتها، بينما قد يؤدي عدم الرد إلى زيادة الضغوط الداخلية على الحزب.
وتكمن حساسية الموقف في أن الحكومة اللبنانية تحاول في الوقت نفسه تعزيز دور مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش اللبناني، في إدارة الملف الأمني داخل البلاد، وهو ما يجعل مسألة السلاح خارج إطار الدولة واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا.
في يونيو الماضي، توصلت لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية، إلى إطار تفاوضي يهدف إلى وضع مسار تدريجي لإنهاء الصراع وتعزيز سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها. وينص الإطار على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية متزايدة في مناطق محددة، بالتزامن مع خطوات مرتبطة بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي تستوفي الشروط المتفق عليها.
وكان من المفترض أن تبدأ العملية من خلال ما يعرف بـ"المناطق التجريبية"، التي يجري فيها اختبار آليات بسط سلطة الجيش اللبناني والتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية. إلا أن التطبيق واجه عراقيل ميدانية وسياسية، فيما ظل حزب الله خارج الاتفاق المباشر، وهو ما يجعل تنفيذ بند نزع السلاح أكثر تعقيدًا.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب اختلاف الأولويات. فإسرائيل تربط الانسحاب بتحقيق تقدم واضح في نزع سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب الدخول في نقاش حول نزع سلاحه قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت سيطرتها.
تصاعد الخلاف بشأن هذه النقطة خلال الأيام الماضية، بعدما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان قبل تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله، وهو موقف أثار انتقادات أمريكية وأعاد التأكيد على حجم الفجوة بين المواقف المختلفة بشأن تنفيذ اتفاق الإطار.
وتعتبر إسرائيل أن وجود حزب الله المسلح بالقرب من حدودها يمثل تهديدًا أمنيًا لا يمكن القبول باستمراره، بينما ترى الحكومة اللبنانية أن الانسحاب الإسرائيلي شرط أساسي لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.
أما حزب الله، فيرفض التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، ما يجعل المعادلة الحالية تدور في حلقة مفرغة: إسرائيل تريد نزع السلاح قبل الانسحاب، وحزب الله يرفض نزع السلاح قبل الانسحاب.
وهذه العقدة هي التي تهدد بتحويل الاتفاق من مسار تدريجي نحو التهدئة إلى مفاوضات طويلة ومليئة بالأزمات.
تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في محاولة الحفاظ على الاتفاق، خصوصًا أنها الراعي الرئيسي للإطار الذي جرى التوصل إليه بين بيروت وتل أبيب.
وتتركز الجهود الأمريكية على إيجاد آلية تسمح بالتحقق من الخطوات الأمنية دون أن تتحول عملية نزع السلاح إلى مواجهة داخلية واسعة. وكانت هناك مباحثات بشأن مشاركة دول أخرى في آلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات، لكن لبنان نفى في وقت سابق التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قائمة الدول المشاركة في هذه المهمة، ما يؤكد أن تفاصيل التنفيذ لا تزال قيد التفاوض.
وتدرك واشنطن أن انهيار المسار السياسي قد يعيد المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع، خصوصًا في ظل استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل وحلفائهما.
لا تقتصر الأزمة على الحدود الجنوبية، إذ تواجه الحكومة اللبنانية مجموعة من الملفات الداخلية الحساسة في الوقت نفسه.
وخلال الأيام الماضية، أقر البرلمان اللبناني قانون عفو عام مثيرًا للجدل بعد يوم واحد من إلغاء عقوبة الإعدام، في خطوتين أثارتا نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل البلاد.
وتأتي هذه القرارات في ظل محاولة الدولة اللبنانية إعادة بناء مؤسساتها ومعالجة ملفات قضائية وأمنية تراكمت على مدى سنوات، بينما يظل ملف سلاح حزب الله القضية الأكثر حساسية على المستوى السياسي والأمني.
وبالتالي، فإن أي تصعيد عسكري جديد في الجنوب لا يمثل مشكلة خارجية فقط، بل قد ينعكس أيضًا على التوازنات السياسية الداخلية وعلى قدرة الحكومة على فرض رؤيتها بشأن احتكار الدولة للسلاح.
رغم خطورة التصعيد الأخير، لا يعني سقوط قتلى ووقوع ضربات واسعة بالضرورة أن اتفاق التهدئة قد انهار بصورة نهائية. فالأطراف المختلفة لا تزال تمتلك مصلحة في تجنب العودة إلى حرب شاملة، خصوصًا أن تكلفة الصراع ستكون مرتفعة على لبنان وإسرائيل والمنطقة بأكملها.
لكن الخطر الحقيقي يتمثل في تراكم الخروقات والردود المتبادلة. فكل ضربة قد تؤدي إلى رد، وكل رد يمكن أن يدفع الطرف الآخر إلى عملية عسكرية جديدة، وهو ما يجعل هامش الخطأ ضيقًا للغاية.
ومن الناحية السياسية، تبدو العقدة الأكبر مرتبطة بترتيب الأولويات. فإذا لم يتم التوصل إلى صيغة تسمح بالتقدم المتزامن في ملف الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، فإن الاتفاق سيظل عرضة للتعطيل.
كما أن أي رد عسكري واسع من حزب الله قد يضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار صعب، بينما قد يؤدي استمرار الضربات الإسرائيلية إلى إضعاف الثقة بالمسار التفاوضي وزيادة الأصوات التي ترى أن الحلول السياسية لا تحقق نتائج ملموسة.
لذلك، فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي مجرد جولة عابرة يمكن احتواؤها، أم بداية مسار جديد يعيد لبنان إلى مواجهة أوسع.
يقف لبنان اليوم أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، فالتصعيد الدامي في الجنوب جاء في وقت كانت فيه البلاد تحاول الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مسار أكثر تنظيمًا يقوم على المفاوضات وبسط سلطة الدولة وتعزيز دور الجيش اللبناني.
لكن استمرار الخلاف حول نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي يكشف أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال طويلًا، وأن أي تقدم سياسي يمكن أن يتراجع سريعًا أمام ضربة عسكرية أو رد غير محسوب. ويزيد من خطورة المشهد إعلان حزب الله استعداده للرد، مقابل تمسك إسرائيل بربط الانسحاب بتحقيق تقدم في ملف نزع السلاح.
وفي المرحلة المقبلة، ستكون المهمة الأصعب أمام الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية هي منع تحول الخلاف حول تنفيذ الاتفاق إلى مواجهة جديدة، وإيجاد صيغة تسمح باستعادة الدولة اللبنانية سيطرتها على الجنوب بالتوازي مع معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية.
وبينما لا تزال فرصة التهدئة قائمة، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن الاستقرار في لبنان لن يتحدد بالبيانات السياسية وحدها، بل بقدرة الأطراف على تحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية تمنع تكرار المواجهات وتعيد للقرار الأمني مكانه داخل مؤسسات الدولة. وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو تثبيت مسار سياسي جديد، أم سيجد نفسه مجددًا أمام دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها.
ويأتي التصعيد في وقت كانت فيه بيروت وتل أبيب تحاولان دفع إطار تفاوضي جديد إلى الأمام، يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل خطوات مرتبطة ببسط سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح الجماعات المسلحة. لكن الخلافات بشأن ترتيب هذه الخطوات وشروط تنفيذها تهدد بإبقاء الملف مفتوحًا أمام احتمالات التصعيد، خصوصًا مع إعلان حزب الله استعداده للرد على الضربات الإسرائيلية.
غارات جنوب لبنان تعيد التوتر إلى الواجهة
أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارات الإسرائيلية التي وقعت السبت أسفرت عن مقتل 11 شخصًا وإصابة آخرين، في هجمات استهدفت مناطق في جنوب البلاد، من بينها أنصار ودير الزهراني. ووصفت مصادر إعلامية هذه الضربات بأنها الأكثر دموية منذ دخول التهدئة الأخيرة حيز التنفيذ.
وقالت إسرائيل إن عملياتها استهدفت بنية تحتية تابعة لحزب الله، وإنها جاءت ردًا على تحرك للحزب أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين. كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائدًا ميدانيًا في حزب الله خلال الضربات، بينما أكدت السلطات اللبنانية سقوط مدنيين، بينهم أطفال، في الهجمات.
وتعكس هذه التطورات هشاشة التهدئة القائمة؛ إذ لم يؤد خفض مستوى المواجهات إلى إنهاء الخلافات الأمنية والسياسية بين الطرفين، بينما بقيت أجزاء من جنوب لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية، واستمرت المفاوضات حول آليات الانسحاب ونزع السلاح.
حزب الله يلوّح بالرد
لم تتوقف تداعيات الغارات عند الجانب العسكري، إذ دخل حزب الله على خط التصعيد سياسيًا أيضًا، معلنًا أن الهجمات الإسرائيلية ستواجه بما وصفه بـ"الرد المناسب"، في وقت دعا فيه إلى وقف المفاوضات الجارية مع إسرائيل.
ويزيد هذا الموقف من صعوبة مهمة الحكومة اللبنانية، التي تسعى إلى الحفاظ على مسار التفاوض من جهة، ومنع تحول الجنوب إلى جبهة مفتوحة من جهة أخرى. فإقدام حزب الله على رد عسكري واسع قد يمنح إسرائيل مبررًا لتوسيع عملياتها، بينما قد يؤدي عدم الرد إلى زيادة الضغوط الداخلية على الحزب.
وتكمن حساسية الموقف في أن الحكومة اللبنانية تحاول في الوقت نفسه تعزيز دور مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش اللبناني، في إدارة الملف الأمني داخل البلاد، وهو ما يجعل مسألة السلاح خارج إطار الدولة واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا.
اتفاق الإطار الأمريكي أمام اختبار حقيقي
في يونيو الماضي، توصلت لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية، إلى إطار تفاوضي يهدف إلى وضع مسار تدريجي لإنهاء الصراع وتعزيز سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها. وينص الإطار على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية متزايدة في مناطق محددة، بالتزامن مع خطوات مرتبطة بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي تستوفي الشروط المتفق عليها.
وكان من المفترض أن تبدأ العملية من خلال ما يعرف بـ"المناطق التجريبية"، التي يجري فيها اختبار آليات بسط سلطة الجيش اللبناني والتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية. إلا أن التطبيق واجه عراقيل ميدانية وسياسية، فيما ظل حزب الله خارج الاتفاق المباشر، وهو ما يجعل تنفيذ بند نزع السلاح أكثر تعقيدًا.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب اختلاف الأولويات. فإسرائيل تربط الانسحاب بتحقيق تقدم واضح في نزع سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب الدخول في نقاش حول نزع سلاحه قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت سيطرتها.
إسرائيل تربط الانسحاب بنزع السلاح
تصاعد الخلاف بشأن هذه النقطة خلال الأيام الماضية، بعدما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان قبل تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله، وهو موقف أثار انتقادات أمريكية وأعاد التأكيد على حجم الفجوة بين المواقف المختلفة بشأن تنفيذ اتفاق الإطار.
وتعتبر إسرائيل أن وجود حزب الله المسلح بالقرب من حدودها يمثل تهديدًا أمنيًا لا يمكن القبول باستمراره، بينما ترى الحكومة اللبنانية أن الانسحاب الإسرائيلي شرط أساسي لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.
أما حزب الله، فيرفض التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، ما يجعل المعادلة الحالية تدور في حلقة مفرغة: إسرائيل تريد نزع السلاح قبل الانسحاب، وحزب الله يرفض نزع السلاح قبل الانسحاب.
وهذه العقدة هي التي تهدد بتحويل الاتفاق من مسار تدريجي نحو التهدئة إلى مفاوضات طويلة ومليئة بالأزمات.
واشنطن تحاول منع انهيار المسار السياسي
تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في محاولة الحفاظ على الاتفاق، خصوصًا أنها الراعي الرئيسي للإطار الذي جرى التوصل إليه بين بيروت وتل أبيب.
وتتركز الجهود الأمريكية على إيجاد آلية تسمح بالتحقق من الخطوات الأمنية دون أن تتحول عملية نزع السلاح إلى مواجهة داخلية واسعة. وكانت هناك مباحثات بشأن مشاركة دول أخرى في آلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات، لكن لبنان نفى في وقت سابق التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قائمة الدول المشاركة في هذه المهمة، ما يؤكد أن تفاصيل التنفيذ لا تزال قيد التفاوض.
وتدرك واشنطن أن انهيار المسار السياسي قد يعيد المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع، خصوصًا في ظل استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل وحلفائهما.
لبنان أمام ضغوط داخلية متزايدة
لا تقتصر الأزمة على الحدود الجنوبية، إذ تواجه الحكومة اللبنانية مجموعة من الملفات الداخلية الحساسة في الوقت نفسه.
وخلال الأيام الماضية، أقر البرلمان اللبناني قانون عفو عام مثيرًا للجدل بعد يوم واحد من إلغاء عقوبة الإعدام، في خطوتين أثارتا نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل البلاد.
وتأتي هذه القرارات في ظل محاولة الدولة اللبنانية إعادة بناء مؤسساتها ومعالجة ملفات قضائية وأمنية تراكمت على مدى سنوات، بينما يظل ملف سلاح حزب الله القضية الأكثر حساسية على المستوى السياسي والأمني.
وبالتالي، فإن أي تصعيد عسكري جديد في الجنوب لا يمثل مشكلة خارجية فقط، بل قد ينعكس أيضًا على التوازنات السياسية الداخلية وعلى قدرة الحكومة على فرض رؤيتها بشأن احتكار الدولة للسلاح.
تحليل: هل ينهار مسار التهدئة في لبنان؟
رغم خطورة التصعيد الأخير، لا يعني سقوط قتلى ووقوع ضربات واسعة بالضرورة أن اتفاق التهدئة قد انهار بصورة نهائية. فالأطراف المختلفة لا تزال تمتلك مصلحة في تجنب العودة إلى حرب شاملة، خصوصًا أن تكلفة الصراع ستكون مرتفعة على لبنان وإسرائيل والمنطقة بأكملها.
لكن الخطر الحقيقي يتمثل في تراكم الخروقات والردود المتبادلة. فكل ضربة قد تؤدي إلى رد، وكل رد يمكن أن يدفع الطرف الآخر إلى عملية عسكرية جديدة، وهو ما يجعل هامش الخطأ ضيقًا للغاية.
ومن الناحية السياسية، تبدو العقدة الأكبر مرتبطة بترتيب الأولويات. فإذا لم يتم التوصل إلى صيغة تسمح بالتقدم المتزامن في ملف الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، فإن الاتفاق سيظل عرضة للتعطيل.
كما أن أي رد عسكري واسع من حزب الله قد يضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار صعب، بينما قد يؤدي استمرار الضربات الإسرائيلية إلى إضعاف الثقة بالمسار التفاوضي وزيادة الأصوات التي ترى أن الحلول السياسية لا تحقق نتائج ملموسة.
لذلك، فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي مجرد جولة عابرة يمكن احتواؤها، أم بداية مسار جديد يعيد لبنان إلى مواجهة أوسع.
أسئلة شائعة
س: ما سبب التصعيد الأخير في جنوب لبنان؟ ج: بحسب الرواية الإسرائيلية، جاءت الضربات ردًا على تحرك لحزب الله أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين، بينما أدانت السلطات اللبنانية الغارات بسبب سقوط مدنيين فيها. س: هل انتهت التهدئة بين إسرائيل وحزب الله؟ ج: لا يمكن اعتبارها منهارة بشكل كامل حتى الآن، لكن التصعيد الأخير يمثل أخطر اختبار لها منذ دخولها حيز التنفيذ في يونيو، ويزيد مخاطر عودة المواجهات. س: لماذا يمثل نزع سلاح حزب الله عقبة أمام الاتفاق؟ ج: لأن إسرائيل تعتبر نزع السلاح شرطًا أساسيًا لأمنها ولتنفيذ الانسحاب، بينما يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. س: ما دور الجيش اللبناني في الاتفاق؟ ج: ينص الإطار على أن يتولى الجيش اللبناني تدريجيًا المسؤولية الأمنية في مناطق محددة، مع ترتيبات للتحقق من تنفيذ الخطوات الأمنية وتهيئة الظروف أمام الانسحاب الإسرائيلي وإعادة السكان. س: هل يمكن أن يعود لبنان إلى حرب واسعة؟ ج: يبقى هذا الاحتمال قائمًا إذا استمرت الهجمات والردود المتبادلة واتسع نطاقها، لكن وجود مسار تفاوضي مدعوم أمريكيًا يوفر قناة يمكن من خلالها محاولة احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب شاملة.خاتمة
يقف لبنان اليوم أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، فالتصعيد الدامي في الجنوب جاء في وقت كانت فيه البلاد تحاول الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مسار أكثر تنظيمًا يقوم على المفاوضات وبسط سلطة الدولة وتعزيز دور الجيش اللبناني.
لكن استمرار الخلاف حول نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي يكشف أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال طويلًا، وأن أي تقدم سياسي يمكن أن يتراجع سريعًا أمام ضربة عسكرية أو رد غير محسوب. ويزيد من خطورة المشهد إعلان حزب الله استعداده للرد، مقابل تمسك إسرائيل بربط الانسحاب بتحقيق تقدم في ملف نزع السلاح.
وفي المرحلة المقبلة، ستكون المهمة الأصعب أمام الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية هي منع تحول الخلاف حول تنفيذ الاتفاق إلى مواجهة جديدة، وإيجاد صيغة تسمح باستعادة الدولة اللبنانية سيطرتها على الجنوب بالتوازي مع معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية.
وبينما لا تزال فرصة التهدئة قائمة، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن الاستقرار في لبنان لن يتحدد بالبيانات السياسية وحدها، بل بقدرة الأطراف على تحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية تمنع تكرار المواجهات وتعيد للقرار الأمني مكانه داخل مؤسسات الدولة. وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو تثبيت مسار سياسي جديد، أم سيجد نفسه مجددًا أمام دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها.