بين دولتين من القيم: السياسي المهاجر على حافة الهوية والمساءلة

صورة مقال بين دولتين من القيم: السياسي المهاجر على حافة الهوية والمساءلة
في عالم تتسارع فيه الهجرة وتتداخل فيه الحدود، لم تعد الهوية مسألة جواز سفر فقط.
بل أصبحت سؤالًا معقدًا عن القيم، والانتماء، وحدود العيش بين نظامين لا يتشابهان دائمًا.
تقدم تجارب بعض السياسيين من أصول مهاجرة في الديمقراطيات الغربية نافذة كاشفة على هذا التوتر العميق.
فاستقالة ناظم الزهاوي، وزير الخزانة البريطاني السابق ذي الأصل العراقي، على خلفية شبهات تتعلق بسجله الضريبي، واستقالة شولب صديقي، النائبة العمالية من أصل بنغالي بسبب إدانة في بلدها الأصلي، ليستا مجرد حادثتين معزولتين، بل علامتان على إشكالية أوسع: كيف يعيش الإنسان، وخاصة السياسي، بين ثقافتين قانونيتين واجتماعيتين مختلفتين جذريًا؟
الهجرة في عالم اليوم لم تعد انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل عبورًا بين منظومتين من القيم والقوانين وأنماط التفكير.
فالمهاجر لا يترك خلفه ذاكرته الاجتماعية، ولا يتخلى بسهولة عن تصوره للسلطة، أو للمال، أو لطبيعة العلاقات العامة والخاصة.
وحتى وهو يتقن لغة المجتمع الجديد، ويحمل جنسيته، ويشارك في مؤسساته السياسية، تظل طبقات أعمق من الوعي مشدودة إلى بيئة النشأة الأولى.
تكشف تجارب سياسيين من أصول مهاجرة هذا التناقض بوضوح.
فهناك من يتعلم في الغرب، ويتشبع بقيم دولة القانون، ويصعد في هياكل الحكم والبرلمان، لكنه حين يتعامل مع شبكات بلده الأصلي الاجتماعية أو الاقتصادية، يصطدم بمنطق مختلف تمامًا في فهم السلطة وحدود الفصل بين العام والخاص.
ما يُعد خرقًا جسيمًا في دولة قانون صارمة، قد يُنظر إليه في بيئة أخرى بوصفه التزامًا عائليًا، أو ترتيبًا اجتماعيًا مشروعًا، أو حتى واجبًا أخلاقيًا تجاه الجماعة.
الإشكالية هنا لا تكمن في القوانين المكتوبة، فكثير من دول العالم باتت تمتلك تشريعات حديثة ومتقاربة شكليًا، بل في الثقافة التي تحكم تطبيق هذه القوانين.
ففي الديمقراطيات المستقرة، تُفهم الدولة ككيان محايد، ويُنظر إلى المنصب العام باعتباره تكليفًا مؤقتًا يخضع للمساءلة الصارمة.
أما في مجتمعات أخرى، فلا تزال الدولة مزيجًا من الرسمي وغير الرسمي، ويتداخل فيها المنصب مع العائلة والقبيلة والمصلحة الخاصة، بحيث يصبح الخلل نتيجة منطق اجتماعي متجذر، لا مجرد رغبة فردية في تجاوز القانون.
صحيح أن الهجرة أنتجت نماذج سياسية ناجحة من أصول أفريقية وآسيوية وعربية، وهو ما يعكس مرونة الديمقراطية الغربية وقدرتها على استيعاب التنوع.
غير أن هذا الاندماج المؤسسي لا يعني بالضرورة اندماجًا ثقافيًا كاملًا في الطبقات العميقة للوعي، فالثقافة لا تتغير بقرار إداري، بل عبر مسار طويل من التعليم والتنشئة والتحول الاجتماعي.
الخطر الحقيقي يظهر حين يحاول السياسي المهاجر العيش في ساحتين في آن واحد: ساحة دولة القانون الصارمة التي صنعت صعوده، وساحة بلد الأصل التي تحكمها قواعد مختلفة لإدارة النفوذ.
عندها، قد يظن أنه قادر على التوفيق بين القاعدتين، ليكتشف أن العالم بات مترابطًا إلى حدٍّ يجعل الخطأ في ساحة ما سببًا للمساءلة في ساحة أخرى، وأن الانتماء المزدوج قد يتحول من مصدر قوة إلى مصدر مخاطرة.
في المحصلة، تكشف هذه التجارب حقيقة جوهرية: يمكن استيراد القوانين، لكن لا يمكن استيراد الثقافة بالسهولة نفسها، وبناء الدولة الحديثة لا يكتمل إلا حين تنتصر ثقافة المؤسسات على منطق العلاقات الشخصية.

قد يعجبك أيضًا: